في بريد بائع الخضار محمد أحمد غلامابي أنتم أنبل ما تبقى لهذا الوطن

في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها السودان اليوم، ومع الحرب التي عصفت بكل شيء جميل، تعود إلى الواجهة قصص رجال شرفاء اختاروا الكرامة فوق كل شيء.
من بين هذه القصص، تبرز حكاية محمد أحمد غلامابي، الرجل الذي لا يمكن اختزاله في صورة بائع خضار في السوق، بل هو عنوانٌ للصبر، والوفاء، والثبات على القيم.
محمد أحمد غلامابي خريج كلية الآداب بجامعة الخرطوم، تخصص فلسفة ولغة عربية بمرتبة الشرف، وصحفي ومراسل كتب لصحف عالمية، ومتحدث بعدة لغات.
ومع ذلك، اليوم تجده في السوق الشعبي، يبيع الخضار بيديه الشريفتين. لا عيب في العمل الشريف، ولكن الألم في أن تُجبر قامات علمية وثقافية على هجر مهنها بسبب واقع سياسي واقتصادي قاسٍ.
قصة غلامابي ليست جديدة، لكنها تكتسب اليوم بعداً أكبر مع الخراب الذي جلبته الحرب الأخيرة. هي ليست مجرد مأساة فردية، بل عنوان لما يعيشه كثير من أبناء السودان الذين انقطع بهم السبيل، فاضطروا للعودة إلى أبسط الأعمال للحفاظ على حياتهم وكرامتهم.
زمان في أوائل التسعينات، يومها كانت الحاجة لمدير تنفيذي أو ضابط إداري في ريفي رفاعة، اشترطوا أن يكون خريج جامعة، فوجدوا صاحب هذه الصفات يرعى الغنم في الغابة، رغم حمله لشهادة اقتصاد وعلوم إدارية من أعرق الجامعات. لم تكن الدنيا عنده مرتبطة بالمناصب أو الألقاب.
نفس الروح اليوم تتجدد. تحت ويلات الحرب، وبعد أن تهدمت المؤسسات وانقطع الاستقرار، يغدو البقاء على المبادئ أصعب من أي وقت مضى. لكنه بقي. لم يبع نفسه، ولم يمد يده إلا للمصافحة والعمل الشريف.
في جامعة الخرطوم، كان غلامابي جزءاً من مشهد أدبي أصيل. في كافتيريات السوق الشعبي، في جلسات الأدب والفكر، كان حضوره مع قامات مثل عاطف خيري والصادق الرضي ومحمد الحلو علامة مضيئة.
جلسات كانوا يقولون عنها: “إن لم يحضر غلامابي، فلا طعم لها ولا روح.” ، حتى أساتذته كانوا يرون فيه نبوغاً خاصاً ، فقد طرح على البروفيسور عبد الله الطيب سؤالاً عن بيت شعر قاله حميد: “يا الدنيا زي سكرة وتفك من رأسو فك”.
وأثنى البروف على البيت، وقال إنه يحمل فلسفة إيمانية عميقة. وعندما بلغ ذلك حميد، أجاب بطرافته المعتادة:
“قول للبروف.. شن قولك في زول دق الواطة وجلا؟!”.
اليوم بعد أن أصبحت الحرب تمزق أوصال الوطن، يظل غلامابي رمزاً لرجل لم تهزمه الظروف. عاد إلى أرضه بالجزيرة، يبيع الخضار والليف وعدة الزراعة، لكنه ظل صامداً، مؤمناً أن القيم والمبادئ أثمن من كل كنوز الدنيا.
له ولكل سوداني شريف في هذا الزمن العصيب، نرفع القبعة ونقول: أنتم أنبل ما تبقى لهذا الوطن.



